ابن ميثم البحراني
240
شرح نهج البلاغة
قوله : ولو فعل إلى آخره . وتالي الكبرى مركَّب من جملتين عطفت إحداهما على الأخرى . ومعنى الصغرى أنّه تعالى لو أراد قبل خلق آدم أن يخلقه من نور شفّاف لطيف يخطف الأبصار ، ويبهر العقول حسنه ، وطيب يأخذ الأنفاس رائحته ولم يخلقه من طين ظلمانيّ كثيف لفعل لأنّ ذلك أمر ممكن مقدور له ، ويحتمل أن يريد بخلقه من النور خلقه روحانيّا مجرّدا عن علاقة الموادّ المظلمة . وقد يوصف المجرّدات بالنور فيقال : أنوار اللَّه ، وأنوار جلاله ، وأنوار حضرته ، وقد أضاءنا بنور علمه ويوصف بالرايحة أيضا فيقال : فلان لم يشمّ رائحة العلم . وبالطعم فيقال : فلان لم يذق حلاوة العلم . وكلّ ذلك استعارة لفظ المحسوس للمعقول تقريبا للأفهام . ومعنى الكبرى أنّه لو فعل ذلك وخلقه كذلك لظلَّت أعناق الملائكة وإبليس خاضعة له . وذلك لشرف جوهره على الطين وفضل خلقته على ما يخلق منه ولم يكن ممّن يفسد في الأرض ويسفك الدماء حتّى تقول الملائكة : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء . ولا من طين منتن حتّى يفخر عليه إبليس بأصله يقول : أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ، أأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون ولخفّت البلوى فيه على الملائكة . وبيان الخفّة من وجهين : أحدهما : لشرف جوهره فإنّه من العادة أن يستنكف الشريف من الخضوع لمن هو دونه في أصله ويشقّ عليه التكليف بذلك في حقّه فأمّا إذا كان أصله مناسبا لأصله ومقارنا في الشرف فلا شكّ أنّ تكليفه بخدمته يكون عليه أسهل وأخفّ . والثاني : أنّهم ما كانوا عالمين بالسرّ الَّذي خلق له آدم وهو كونه صالحا لخلافة اللَّه سبحانه في عمارة الأرض وإصلاح أبناء نوعه وإعدادهم للكمالات وغير ذلك ممّا لا يعلمونه كما قال تعالى في جواب قولهم « أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها » إلى « وإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ » ( 1 ) وكما علَّمه الأسماء وأمره بعرضها عليهم فقال « وعَلَّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ » ( 2 ) وظاهر أنّ تكليف النفس بما يطَّلع على سرّه ويعلم وجه الحكمة فيه أسهل عليها من تكليفها
--> ( 1 ) 2 - 28 . ( 2 ) 2 - 30 .